مَتْنُ الْحَدِيثِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ×، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ×، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ×، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ×، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ×، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ × وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ.
سَنَدُ الْحَدِيثِ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ.
أَوَّلًا: دِرَاسَةُ السَّنَدِ وَرِجَالِهِ
أ. تَرَاجِمُ الرِّجَالِ:
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ: هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ اللَّيْثِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ، رَاوِيَةُ الْمُوَطَّأِ الْمَشْهُورُ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيُّ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.
ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، الْإِمَامُ الْعَلَمُ حَافِظُ زَمَانِهِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الصَّالِحُ، أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ.
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ، أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.
الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ.
أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْبَدْرِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ.
بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ: هُوَ بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ، وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ×.
ب. الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ:
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ: ثِقَةٌ، إِمَامٌ، أَمِينٌ، رِوَايَتُهُ لِلْمُوَطَّأِ عُمْدَةٌ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ.
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: رَأْسُ الْمُتَّقِنِينَ، وَثَبْتُ الْحُفَّاظِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ.
ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ، اتَّفَقَ النَّقَدَةُ عَلَى جَلَالَتِهِ وَحِفْظِهِ.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِمَامُ عَدْلٍ، ثِقَةٌ حَجَّةٌ، مَأْمُونٌ رَضِيٌّ.
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ثِقَةٌ ثَبْتٌ، فَقِيهٌ عَالِمٌ، مَأْمُونٌ حُجَّةٌ.
الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ.
أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، عَدْلٌ رَضِيٌّ.
بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ: تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ، مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ.
ج. لَطَائِفُ السَّنَدِ وَالِاتِّصَالِ:
السَّنَدُ مَدَنِيٌّ فِي جُلِّ رُوَاتِهِ، وَفِيهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
فِي آخِرِ السَّنَدِ لَطِيفَةٌ حَيْثُ رَدَّ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الِانْقِطَاعَ الظَّاهِرَ فِي حِكَايَتِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، بِبَيَانِ مَأْخَذِهِ الْمُتَّصِلِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ.
د. الْحُكْمُ عَلَى السَّنَدِ:
السَّنَدُ فِي ظَاهِرِ سِيَاقِهِ الْأَوَّلِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُعَدُّ مُرْسَلًا؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَشْهَدْ عُرْوَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ، لَكِنَّ السَّنَدَ يَتَّصِلُ وَيَصِحُّ مَرْفُوعًا بِالْبَيَانِ الَّذِي جَاءَ فِي آخِرِهِ (كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ)، فَالْحَدِيثُ فِي أَصْلِهِ مَوْصُولٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ.
هـ. أَحْكَامُ نُقَّادِ الْمَالِكِيَّةِ:
الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: بَيَّنَ فِي "التَّمْهِيدِ" أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ فِي أَوَّلِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، لَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِذِكْرِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِيهِ فِي آخِرِهِ، وَأَكَّدَ صِحَّتَهُ وَثُبُوتَهُ وَأَنَّ مَرَاسِيلَ الزُّهْرِيِّ إِذَا بَانَ اتِّصَالُهَا فَهِيَ حُجَّةٌ.
الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: أَشَارَ فِي "الْمُنْتَقَى" إِلَى صِحَّةِ هَذَا الْأَثَرِ وَاتِّصَالِهِ، وَجَعَلَ مُرْسَلَ الزُّهْرِيِّ هُنَا فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ لِوُجُودِ الْبَيَانِ الْمُتَّصِلِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ.
ثَانِيًا: الشَّرْحُ اللَّفْظِيُّ وَاللُّغَوِيُّ
أ. غَرِيبُ الْحَدِيثِ:
أَخَّرَ الصَّلَاةَ: أَيْ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ وَأَوَّلِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهَا عَنْ وَقْتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ: كَلِمَةُ تَثَبُّتٍ وَتَحْذِيرٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا: تَيَقَّنْ وَتَثَبَّتْ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ الْعَظِيمِ.
أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ: أَيْ بَيَّنَ لَهُ وَقْتَهَا وَحَدَّدَ مَعَالِمَهَا بِالْفِعْلِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ب. الْإِعْرَابُ وَالنَّحْوُ:
قَوْلُهُ: (أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ): الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ، وَ(إِنَّ) حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ، وَ(جِبْرِيلَ) اسْمُهَا، وَ(هُوَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَ(الَّذِي) خَبَرُ إِنَّ، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّعَجُّبِ وَاسْتِعْظَامِ الْأَمْرِ سُؤَالًا عَنِ الْحَقِيقَةِ لَا جُحُودًا لَهَا.
ثَالِثًا: طُرُقُ الْحَدِيثِ وَتَخْرِيجُهُ فِي الْكُتُبِ الْعَشَرَةِ
أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (كِتَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، كَمَا رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ... فَالْخَبَرُ عِنْدَهُ مَدَارُهُ عَلَى الزُّهْرِيِّ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ وَيُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ.
الشَّوَاهِدُ وَالطُّرُقُ الْأُخْرَى: لِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ آخَرُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ غَيْرِ بَشِيرٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ قَوِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ يَوْمَيْنِ مُتَتَالِيَيْنِ لِبَيَانِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ، وَهُوَ مَخْرُجٌ فِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ، وَتِلْكَ الشَّوَاهِدُ كُلُّهَا تَعْضُدُ أَصْلَ الْقِصَّةِ وَتُثْبِتُ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ مَنْ نَزَلَ بِالْمَوَاقِيتِ.
رَابِعًا: مَنْهَجُ الْمَالِكِيَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْحَدِيثِ
تَقْدِيمُ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خَبَرِ الْآحَادِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ وَلِذَلِكَ صَدَّرَ مَالِكٌ كِتَابَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ يُعَضِّدُ الْعَمَلَ الْمُتَوَارَثَ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ أَنَّ الصَّلَوَاتِ تُؤَدَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ فُضُولًا.
الِاحْتِجَاجُ بِالْمُرْسَلِ وَالْبَلَاغَاتِ إِذَا تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ اعْتَضَدَتْ بِعَمَلٍ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ صَدْرَ الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ لَكِنَّ مَالِكًا جَعَلَهُ عُمْدَةَ الْبَابِ لِصِحَّةِ مَأْخَذِهِ وَشُهْرَتِهِ فِي الْمَدِينَةِ.
رَعَايَةُ فِقْهِ الرَّاوِي وَمَكَانَتِهِ التَّشْرِيعِيَّةِ؛ فَسِيَاقُ الْحَدِيثِ فِيهِ مُحَاوَرَةٌ فِقْهِيَّةٌ بَيْنَ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ وَالْخُلَفَاءِ (عُمَرَ، وَعُرْوَةَ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِنَايَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَحِبَهَا فِقْهُ التَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ.
خَامِسًا: فِقْهُ الْحَدِيثِ وَالِاسْتِدْلَالُ
أ. الْأَحْكَامُ وَالْفَوَائِدُ:
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ تَوْقِيفِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُبَيِّنَهَا لِلنَّبِيِّ × تَعْلِيمًا بِالْفِعْلِ.
جَوَازُ نَكِيرِ الْعَالِمِ وَالْمَفْضُولِ عَلَى الْأَمِيرِ وَالْفَاضِلِ إِذَا خَالَفَ الْأَوْلَى أَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ.
تِكْرَارُ الصَّلَاةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى...) فِيهِ بَيَانُ مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ.
ب. التَّخْرِيجُ عَنِ الْقَوَاعِدِ:
الْأَصْلُ فِي الْأَحْكَامِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ثُمَّ الْبَيَانِ النَّبَوِيِّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ جَارٍ عَلَى أَصْلِ بَيَانِ مُجْمَلِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالصَّلَاةِ مُجْمَلَةً فِي كِتَابِهِ، فَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ خَارِجًا مَخْرَجَ الْبَيَانِ الْفِعْلِيِّ لِذَلِكَ الْمُجْمَلِ عَنْ طَرِيقِ الْوَسَاطَةِ الْمَلَكِيَّةِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ج. الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ:
يَرْتَبِطُ الْحَدِيثُ بِقَاعِدَةِ: (تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ)؛ فَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ فُرِضَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ لِيُبَيِّنَ الْمَوَاقِيتَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْعَمَلِ كَانَتْ نَاجِزَةً.
وَقَاعِدَةُ: (الْفَرْضُ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِيَقِينٍ)؛ حَيْثُ اسْتَوْثَقَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عُرْوَةَ طَلَبًا لِلْيَقِينِ فِي تَحْدِيدِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ.
سَادِسًا: الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الْمُوَطَّأِ وَالْمُدَوَّنَةِ
فِي الْمُوَطَّأِ: سَاقَ الْإِمَامُ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَدْرِ "كِتَابِ وُقُوتِ الصَّلَاةِ" لِيُؤَصِّلَ بِهِ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَشْرُوعِيَّةِ الْمَوَاقِيتِ كَانَ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ، بَلْ جَاءَتِ الْفُرُوعُ الْفِقْهِيَّةُ فِيهَا مَبْنِيَّةً عَلَى تَفْصِيلِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ، حَيْثُ نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تَحْدِيدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ عَمَلِيًّا، مَعَ تَقْسِيمِهَا إِلَى اخْتِيَارِيٍّ وَضَرُورِيٍّ.
سَابِعًا: الْحُكْمُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْفُرُوعُ
أ. الْحُكْمُ الْمُعْتَمَدُ:
الْمُعْتَمَدُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقْتَيْنِ: وَقْتًا اخْتِيَارِيًّا يَأْثَمُ تَاِركُ الصَّلَاةِ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَوَقْتًا ضَرُورِيًّا يَمْتَدُّ بَعْدَهُ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ. وَيَجِبُ إِيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، إِلَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَيُنْدَبُ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ.
ب. النَّظَائِرُ وَالْفُرُوعُ الْمُتَفَرِّعَةُ:
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى دَخَلَ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَقَدْ عَصَى وَأَثِمَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، لَكِنَّهُ يُعَدُّ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ أَدَاءً لَا قَضَاءً.
الْفَرْعُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بِسَجْدَتَيْهَا فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ إِدْرَاكًا لِلْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ كُلِّهِ، وَإِدْرَاكُ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ إِدْرَاكًا لِلْأَدَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ تَعَلُّقًا بِأَحْكَامِ الْأَعْذَارِ.